الشيخ السبحاني
17
التوحيد والشرك في القرآن
إن هذه الآية تقسم القوانين الحاكمة على البشر إلى قسمين : إلهي ، وجاهلي ، وبما أن ما كان من صنع الفكر البشري ليس إلهيا فهو بالطبع يكون حكما جاهليا . وقال سبحانه : ( . . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) . وقال : ( . . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) . وقال : ( . . ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) ( المائدة - 44 و 45 و 47 ) . وهذه الآيات وإن كانت تصف الحاكم بغير ما أنزل الله بالصفات الثلاث لا المقنن والمشرع البشري غير أنها تدل تلويحا على حرمة نفس التقنين بغير إذنه ، لأن الهدف من تشريع الأحكام وتقنين القوانين جعلها وسيلة للحكم والقضاء ، وإلا فالتشريع والتقنين بدون التنفيذ والتطبيق لا يحوم حوله عاقل . فهذه المقاطع الثلاثة توضح أن ممنوعية التقنين والتشريع بهدف الحكم على وفقه كانت موجودة في الشرائع الإلهية السالفة أيضا ، وما ذلك إلا لأجل أن التقنين أولا ، والحكم ثانيا حق مخصوص بالله سبحانه ، لم يفوضه إلى أحد من خلقه ، ولأجل ذلك يصف المبدل للنظام الإلهي بالكفر تارة ، والظلم أخرى ، وبالفسق ثالثة . فهم كافرون لأنهم يخالفون التشريع الإلهي بالرد والإنكار والجحود . وهم ظالمون لأنهم يسلمون حق التقنين الذي هو خاص بالله إلى غيره . وهم فاسقون لأنهم خرجوا بهذا الفعيل عن طاعة الله سبحانه . وأما ما يفعله العلماء والفقهاء فهو تخطيط كل ما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي في إطار القوانين والضوابط الإلهية والإسلامية ، وليس ذلك بتشريع أو تقنين .